تعاني الموازنة العامة السنوية للدولة العديد من الثغرات التي ستشكل في ما بعد تحدياً خطيراً على الهياكل التمويلية التي تلبي متطلبات التنمية في القطاعات الخدمية والاقتصادية والاستثمارية وقطاعات المشاريع.
وعادة ما ترتبط بالثغرات التي تظهر في موازنات الدولة السنوية تلك »التعثرات« و »العجوزات« اللتين اصبحتا ظاهرتين ملازمتين عند إعداد الموازنات.. دون أن تكون هناك أي حلول جذرية علمية ومنهجية ومهنية تعالج ذلك.. فضلاً »عن طلبات الاعتمادات الإضافية« المتكررة منذ سنوات.. الأمر الذي أصبح يشكل سياسة مالية ثابتة.. خلقت المزيد من الأعباء والعجوزات، وهذا في حد ذاته يشكل مؤشراً خطيراً لجهة الضعف. والقصور وغياب الكفاءة في استخدام الموارد فالموازنة في حد ذاتها ليست سوى موارد يتم تخصيصها وتوظيفها وإدارتها بشكل أفضل وأمثل.
ويكفي أن نلحظ ذلك الإنفاق الهستيري الذي يفتقد في كثير من الأحيان للمبررات الموضوعية والقانونية في بعض القطاعات الإيرادية والاقتصادية.. وعلى حساب ميزان الإيرادات الذي بدأ يتأثر بتراجع الصادرات النفطية وتداعيات الأزمة المالية العالمية.. بل وعلى حساب تعثر الكثير من المشاريع التنموية والاقتصادية.
فاليوم هناك العديد من القطاعات الاقتصادية والإيرادية أنفقت في عام واحد فقط ما يناهز المليار ريال في بند المكافآت والنثريات فقط.. في الوقت الذي لديها العديد من المشاريع الاستراتيجية التي تحتاج إلى إعادة تأهيل وتطوير..
كما أن هناك العديد من القطاعات التي تخلف في ختام موازنتها السنوية مئات الملايين وعشرات المليارات »كوفورات« لم تستطع أن توظفها في مشاريع.. والمضحك والمبكي أن لديها حزمة من المشاريع المتعثرة والمجمدة.. فضلاً عن جريان شلالات المصروفات والصرفيات التي تتم بدون مستندات ووثائق واستمارات مؤيدة أو تلك التي تتم بطرق غير قانونية وأخرى بدون وجه حق.. على الرغم من تواجد مندوبي »مدراء الحسابات« التابعين والممثلين لوزارة المالية.. وكذا وجود مندوبي لجهاز الرقابة.
ولا ندري كيف يمكن الحديث عن منظومة الإصلاحات المالية والاقتصادية والإدارية.. إذا كان البناء التشريعي والقانوني والمالي لموازنة الدولة العامة يعاني الكثير من الاختلالات والثغرات في هياكلها التمويلية ويعتريها الكثير من الضعف والقصور في جانبها الرقابي الذي لا يراقب ولا يتابع بشكل مستمر تلك الاختلالات التي تتكرر عاماً بعد آخر في تقارير جهاز الرقابة لجهة الإنفاق الحاد والمستمر الذي سيطر على استخدامات الموازنة واستحوذ على مواردها وعلى حساب الإنفاق الاستثماري.. ويكفي أن نشير إلى أن موازنة العام ٧٠٠٢م تجاوزت نفقات الضيافة والانتقالات فيها ٥١ مليار ريال...
ناهيك عن بنود المكافآت والنثريات، لذلك عبثا سيكون الحديث عن وجود حزمة إصلاحات وبرامج تصحيح مالي واقتصادي ما دامت نسب الانحرافات موجودة ومستمرة في تقديرات الموازنات التنفيذية والفعلية إن كان على المستوى الإجمالي للموازنات أو الأبواب.
وما دامت التقديرات تخضع للعشوائية وتجانب الأسس العلمية للتخطيط والبرمجة.. فلن تكون هناك أية قواعد وإجراءات لمحاربة التسيب وحماية المال العام.. وستظل هذه الثغرات باباً مشرعاً لممارسة المزيد من الفساد..
صحيفة الوحدة الأربعاء , 19 أغسطس 2009 م